EN
سيتم بمشئية الله تعالى إضافة تفريغ جميع الخطب المنشورة في الموقع، ويتم التحديث تدريجيا
التحبير بالإحسان إلى الكبير

ألقيت الخطبة بتاريخ 28 جمادى الآخرة بحضرموت - تريس - جامع بن زاهر

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.

أما بعد

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؛ أعاذني الله وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات من النار.

أيها الناس، أخرج الإمام البخاري في الأدب المفرد، وأحمد في المسند، وأبو داود في السنن عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا»، وأخرجه الترمذي في جامعه بلفظ: «ليس منا من لم يعرف شرف كبيرنا».

وهذا الحديث العظيم فيه وعيد شديد للذين لا يقيمون لكبار السن من أهل الإسلام قدراً ولا وزناً، أو الذين لا يحسنون التعامل معهم في الخطاب، وفي الكلام، وفي المعاملة؛ فإن ذلك -كما يقول نبينا عليه الصلاة والسلام- ليس من هدي أهل الإيمان، ليس من هدي أهل الإسلام؛ فالنبيّ -عليه الصلاة والسلام- بُعث باحترام الكبير وإنزاله منزلته.

وأخرج الإمام ابن حبان وصححه في التعليقات الحسان عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «البركة مع أكابركم»؛ وذلك لكثرة علمهم وخبرتهم وتجاربهم وكثرة الوقار والسكينة والتؤدة والتأني عندهم.

فإن الطيش يكون في الشباب، وإن عدم التروي يكون غالباً في أحداث الأسنان. ولهذا جاء في الأدب المفرد عن قيس -رضي الله عنه- أنه قال: «سودوا أكابركم، سودوا أكابركم».

وفي السنن أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم»، «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم»؛ فهذه عبادة، وهذا من أخلاق أهل الإيمان، هذا خلق حسن، وهذا تعامل دعا إليه ديننا الحنيف: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم»، وذلك بحُسن الكلام معه، وحسن التعامل معه، وهكذا بإنزاله المنزلة التي تليق به.

ولهذا جاءت الأدلة في الشريعة بتقديم الكبير إذا انضم إلى كبر السِّن ما يؤهله إلى ذلك، كما في الصحيح عن أبي مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً»؛ فإذا اجتمع قارئ وقارئ وكلاهما في الهجرة سواء وأحدهما أكبر سنًا، فالأفضل والأوجب تقديم صاحب السن، هكذا جاءت شريعة أهل الإسلام.

وفي الصحيحين من حديث مالك بن الحويرث -رضي الله عنه- أنه قال: أتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نحواً من عشرين شببة فتعلمنا، وكان رقيقًا -عليه الصلاة والسلام-، فظن أنا اشتقنا أهلنا فقال لنا: «ارجعوا إلى أهلكم، وأقيموا فيهم، وعلموهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم». هذه منزلة الكبير في الإسلام؛ العناية به وتوقيره واحترامه وإنزاله المنزلة التي تليق به، هذا دين، هذا خلق قويم، هذا تعامل عظيم.

============

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين.

أيها الناس، فإذا كان الكبير أبًا أو أمًّا كان الواجب أعظم؛ قال الله عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}.

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه»، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة، ثم لم يدخل الجنة».

ونبه ربُّنا -جل وعلا- ونبينا -عليه الصلاة والسلام- على الوالدين عند كبر السن لشدة احتياجهما إلى أولادهما ونحوهم من الأقارب والأرحام؛ فإن الوالد القوي الشاب قد يحتاج أولاده إليه أكثر مما يحتاج إليهم، لكن عند الكبر إذا احدودب الظهر ووهن العظم وقلَّتْ الحيلة، عظمت منزلة الوالد حينئذ في الإسلام على أولادهم.

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- بيان أن العناية بالوالد الكبير، بالوالد والوالدة الكبير في السِّن: نجاةٌ من الكروب والخطوب في الدنيا وفي الآخرة؛ في قصة أهل الغار الثلاثة، آواهم المبيت فانطبقت عليهم صخرة، قالوا: لا ينجيكم من هذه إلا أن تدعوا الله عز وجل بصالح أعمالكم. فقام رجل فقال: «اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً»، والغبوق طعام وشراب العشي كما أن الصبوح طعام وشراب الغداة. قال: «فرحت وقد تأخرت عليهما فوجدتهما قد ناما، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً، فوقفت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فناولتهما فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه». فانفرجت الصخرة شيئاً، وقام الثاني والثالث وخرجوا يمشون، وقد فرج الله عنهم هذه الكربة العظيمة بصالح أعمالهم؛ وكان من صالح الأعمال التي يفرج الله -جل وعلا- بها الكروب والخطوب العظيمة الإحسان إلى الوالدين، والإحسان إلى كبير السن منهم.

وأخرج الإمام البخاري في الأدب المفرد فقال: حدثنا آدم، قال حدثنا شعبة، عن ابن أبي بردة، عن أبيه وهو عامر، قال: شهدت ابن عمر -رضي الله عنهما- وهو يطوف، فجاء يماني يحمل أمه فوق ظهره وهو يرتجز: «إني لها بعيرها المذلل»، فقال لما حاذى ابن عمر: يا ابن عمر أتراني جزيتها؟ قال له -رضي الله عنه-: «لا، ولا بزفرة واحدة»، «لا، ولا بزفرة واحدة». هكذا منزلة الوالد عند أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم- لأنهم فهمُوا خطابَ الله وعقلوا كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأثر في غاية الصحة رجاله بين ثقة وثقة ثبت وإمام، وأخرجه البيهقي والبزار وغيرهم.

ومِن برِّ الوالدين عند الكبر ونماذجه ما في الصحيحين عن ابن عباس أنَّ امرأةً خثعمية أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: «نعم». فكيف بالذين يأكلون أموال الآباء والأمهات وما خلَّفوه مِن التركات بعد الممات؟ لا قضاء لِدَين ولا حجّ ولا عمرة. هذه امرأة وتسأل أن تمشي على الأقدام تحج عن والدها وهو حي ولكنه ضعيف في عداد الأموات.

وفي المسند والسنن عن أبي رزين العقيلي -رضي الله عنه- نحو هذه القصة، فإنه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إن أبي لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، أفأحج عنه وأعتمر؟ قال: «نعم، حج عن أبيك وأعتمر».

هذا هو البر وهذا هو الإحسان: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}.

نسأل الله -جل وعلا- بمنه وكرمه أن يوفقنا للهدى والتقى والعفاف والغنى، ونسأل الله -جل وعلا- أن يهدينا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئ الأخلاق، لا يصرف عنا سيئها إلا هو. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك اللهم من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، اللهم أصلح أحوال المسلمين والمسلمات في هذا البلد خاصة. اللهم من أرادنا وبلادنا ودعوتنا وخيراتنا بسوء فاجعل السوء يحيط به من كل جانب، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا قوي ويا متين. والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.